محمد بن جرير الطبري
328
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بتسكين اللام - بمعنى أنها في أغشية وأغطية ، لاجتماع الحجة من الْقَرَأَة وأهل التأويل على صحتها ، وشذوذ من شذ عنهم بما خالفه ، من قراءة ذلك بضم " اللام " . وقد دللنا على أن ما جاءت به الحجة متفقة عليه ، حجة على من بلغه . وما جاء به المنفرد ، فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحجة نقلا وقولا وعملا في غير هذا الموضع ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا المكان . ( 1 ) . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : ( بل لعنهم الله ) ، بل أقصاهم الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم ، وجحودهم آيات الله وبيناته ، وما ابتعث به رسله ، وتكذيبهم أنبياءه . فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك . * * * وأصل " اللعن " الطرد والإبعاد والإقصاء يقال : " لعن الله فلانا يلعنه لعنا ، وهو ملعون " . ثم يصرف " مفعول " : فيقال : هو " لعين " . ومنه قول الشماخ بن ضرار : ذعرت به القطا ونفيت عنه . . . مكان الذئب كالرجل اللعين ( 2 ) * * * قال أبو جعفر : في قول الله تعالى ذكره : ( بل لعنهم الله بكفرهم ) تكذيب منه للقائلين من اليهود : ( قلوبنا غلف ) . لأن قوله : ( بل ) دلالة على جحده جل
--> ( 1 ) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 210 ، 211 ، 265 ، 295 ( 2 ) ديوانه : 92 ، ومجاز القرآن 461 ، وسيأتي في 2 : 33 ( بولاق ) ، وروايته هناك وفي ديوانه ، " مقام الذئب " والضمير في " به " إلى " ماء " في قوله قبله : وماء قد وردت لوصل أروى . . . عليه الطير كالورق اللجين وأراد في البيت : مقام الذئب الطريد اللعين كالرجل . والرجل اللعين المطرود لا يزال منتبذا عن الناس ، شبه الذئب به ، يعني في ذله وشدة مخافته وذعره .